محمد أبو زهرة

102

المعجزة الكبرى القرآن

المصروم ثمرها المقطوع منها ما أينعت ، وهذا بلا شك تصوير بين لما يجريه اللّه تعالى في الأرزاق ، ومهما يقدر الإنسان في كسب الرزق ويحاول التحكم فيه ، فإن اللّه تعالى فوق ما يقدر . ونرى من هذا تصوير ما في نفوسهم ، وبيان ما يحيط بهم في بيان متماسك في ألفاظه ، متآخ في معانيه . 62 - ولقد صور سبحانه وتعالى صورة الحرص ومنع الخير في أعنف صوره النفسية ، فقال تعالت كلماته : فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ( 21 ) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ( 22 ) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ ( 23 ) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ( 24 ) . أنزل اللّه بالحديقة ما أنزل وهم لا يعلمون ، فكان حرصهم على ما هو عليه ، وتعجلهم لجنى الثمار ، كما هو ، وقد صور اللّه تعالى ذلك بذكر حالهم أنهم تنادوا ، أي نادى بعضهم بعضا مجمعين على ما أرادوا ، أن أصبحوا في الغد مبكرين على زرعكم وثماركم الذي حرثتم أرضه ، وأصلحتم ثمره ، إن كنتم تريدون قطعه ، وقطف ينعه . ويلاحظ أن التعبير بصارمين ، فيه معنى الإرادة الصارمة للقطع الذي لا ريب فيه . وإن معنى التعجل والحرص قد أكد بقوله تعالى حكاية عنهم : فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ ( 23 ) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ( 24 ) هذه النصوص تصور اجتماعا وافتراقا ، فقد اجتمعوا على نية القطع ، واجتمعوا على المسارعة فيه ، واجتمعوا على أمر خبيث لم يعلنوه ، ولكن اتفقوا عليه في تخافت وإسرار ، واجتماع على تلك النية الخبيثة ، وإن كلمة يتخافتون تصوير لحالهم الحسى ولأمرهم النفسي ، ولمعنى المنع ، فإن الامتناع عن الخير لا يكون إلا بإصرار النفوس والتفاهم في سر ، ولا يكون في جهر ، فتخافتوا على ألا يعطوا مسكينا ، وعبر عن المنع عن إعطاء المسكين بمنعه من الدخول ، فهم لا يمنعون العطاء فقط ، بل يمنعونه من الدخول نهيا مؤكدا وبإصرار على المنع ، ولو بالدفع أو القهر ، فضلا عن الطرد والنهر ، وإغلاق الأبواب وإقامة الحراس المانعين ، وأكدوا تنفيذ فكرتهم بما حكى اللّه عنهم من تأكيد المنع بالنون الثقيلة ، هذه أحوال اجتماعهم ، أما افتراقهم فهو دخولهم على الحديقة ، متفرقين كل في جانب منها ، ودل على ذلك قوله : فَانْطَلَقُوا فهم ذهبوا ليقطعوا ويجمعوا ، كل في جانب ، تجمعهم فكرة التعجل والتصميم والإلحاف في منع المساكين ، وقال تعالى في تصوير تعجلهم مع سيطرة فكرة المنع عليهم وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ ( 25 ) فغدوا معناها أقدموا في باكورة الغداة ، والحرد معناه المنع والتشدد فيه ، والمعنى أنهم أصبحوا قاصدين القطع ، ومعتزمين المنع من حق الفقير بل منع دخوله ، وموضع قادرين هنا هو وصفهم بالقوة على العمل والتنفيذ والمنع بكل الوسائل .